مجد الدين ابن الأثير

342

المختار من مناقب الأخيار

الرّيح إلى هاهنا في كلّ سنة مرّة أو مرتين ، فكأنّ نفسي تشوّفت إليه ، فلمّا كان في بعض الأيام قيل لي : الرجل قد وصل . قال سمنون : فخرجت انظر إليه فإذا شيخ جالس في ساجة منقورة ، حسن السّمت « 1 » ، فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السّلام ، فقلت له : إنّي أسألك عن مسألة . فقال : دعني من هذا ، فإنّي أريد أن أسألك عن مسألة . قال سمنون : فقلت له : سل . فقال : إنّ ذكري يجري كمنخر الثّور ، فما أعمل ؟ فقلت له : ما عليك أكثر من أن تنثر ثلاثا ، وما عدا ذلك فليس عليك . قال سمنون : ثم قلت له : حدّثني بأشدّ ما رأيت في هذا البحر من الوحشة ؟ فقال : ما يمكن ، ولكن هبّت في بعض الليالي ريح عظيمة ، وأظلم البحر ، وخبّ حتى ما رأيت مثله قطّ إن شاء اللّه تعالى ، فداخلني من ذلك وحشة عظيمة ، وطلبت شيئا يزيل عنّي تلك الوحشة ، وإذا أنا بتنّين عظيم ، فاتح فاه ، فألقتني الساجة نحوه ، فدخلت في فيه ، وجلست على ناب من أنيابه ، وصلّيت ركعتين ، فزال ما كنت أجده من الوحشة . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم : قلت لذي النّون : صف لنا من خيار من رأيت . فذرفت عيناه ، وقال : ركبنا مرّة في البحر نريد جدّة ، ومعنا فتى من أبناء نيّف وعشرين سنة ، قد ألبس ثوبا من الهيبة ، فكنت أحبّ أن أكلّمه فلم أستطع ، بينما تراه مصلّيا وبينما تراه مسبّحا إلى أن رقد ذات يوم ، ووقعت في المركب تهمة ، فجعل الناس يفتّش بعضهم

--> ( 1 ) في ( ب ) : « الصمت » ، والسّمت : هيئة أهل الخير .